الشوكاني
114
فتح القدير
قليلا أو أعطى شيئا قليلا وقطع ذلك وأمسك عنه ، وأصل أكدى من الكدية وهي الصلابة ، يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ فيها إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر قد أكدى ، ثم استعملته العرب لمن أعطى فلم يتم ، ولمن طلب شيئا فلم يبلغ آخره ، ومنه قول الحطيئة : فأعطى قليلا ثم أكدى عطاؤه * ومن يبذل المعروف في الناس يحمد قال الكسائي وأبو زيد ويقال كديت أصابعه : إذا محلت من الحفر ، وكدت يده : إذا كلت فلم تعمل شيئا ، وكدت الأرض : إذا قل نباتها ، وأكديت الرجل عن الشئ رددته ، وأكدى الرجل : إذا قل خيره . قال الفراء : معنى الآية : أمسك من العطية وقطع . وقال المبرد : منع منعا شديدا . قال مجاهد وابن زيد ومقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على دينه ، فعيره بعض المشركين فترك ورجع إلى شركه . قال مقاتل : كان الوليد مدح القرآن ، ثم أمسك عنه فأعطى قليلا من لسانه من الخير ثم قطعه . وقال الضحاك : نزلت في النضر بن الحارث . وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في أبي جهل ( أعنده علم الغيب فهو يرى ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والمعنى : أعند هذا المكدى علم ما غاب عنه من أمر العذاب ، فهو يعلم ذلك ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ) أي ألم يخبر ولم يحدث بما في صحف موسى : يعنى أسفاره ، وهي التوراة ، وبما في صحف إبراهيم الذي وفى : أي تمم وأكمل ما أمر به . قال المفسرون : أي بلغ قومه ما أمر به وأداه إليهم ، وقيل بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه . ثم بين سبحانه ما في صحفهما فقال ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى ، ومعناه : لا تؤخذ نفس بذنب غيرها ، وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر وخبرها الجملة بعدها ومحل الجملة الجر على أنها بدل من صحف موسى وصحف إبراهيم ، أو الرفع على أنها خبر مبتدإ محذوف ، وقد مضى تفسير هذه الآية في سورة الأنعام ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) عطف على قوله ( ألا تزر ) وهذا أيضا مما في صحف موسى ، والمعنى : ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله ولا ينفع أحدا عمل أحد ، وهذا العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه - ألحقنا بهم ذرياتهم - ، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ونحو ذلك ، ولم يصب من قال : إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور ، فإن الخاص لا ينسخ العام ، بل يخصصه ، فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم ( وأن سعيه سوف يرى ) أي يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة ( ثم يجزاه ) أي يجزى الإنسان سعيه ، يقال جزاه الله بعمله وجزاه على عمله ، فالضمير المرفوع عائد إلى الإنسان والمنصوب إلى سعيه . وقيل إن الضمير المنصوب راجع إلى الجزاء المتأخر وهو قوله ( الجزاء الأوفى ) فيكون الضمير راجعا إلى متأخر عنه هو مفسر له ، ويجوز أن يكون الضمير المنصوب راجعا إلى الجزاء الذي هو مصدر يجزاه ، ويجعل الجزاء الأوفى تفسيرا للجزاء المدلول عليه بالفعل كما في قوله - اعدلوا هو أقرب - قال الأخفش : يقال جزيته الجزاء وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما ( وأن إلى ربك المنتهى ) أي المرجع والمصير إليه سبحانه لا إلى غيره فيجازيهم بأعمالهم . وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) قال : الكبائر ما سمى الله فيه النار ، والفواحش : ما كان فيه حد الدنيا . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله كتب على ابن آدم حظه